ابو القاسم عبد الكريم القشيري
299
لطائف الإشارات
من الطاعة ؛ فبعد ما تكون أوطان الزّلّة بدواعى الشهوة تصير أوطان الطاعة لسهولة أدائها . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 42 ] الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) الصبر الوقوف بحسب جريان القضاء ، والتوكل التوقي باللّه بحسن الرجاء . ويقال صبروا في الحال ، وتوكلوا على اللّه في تحقيق الآمال . ويقال الصبر تحسّى كاسات المقدور ، والتوكل الثقة في اللّه في استدفاع المحذور . ويقال الصبر تجرّع ما يسقى ، والتوكل الثقة بما يرجو . ويقال إنما يقوون على الصبر بما حققوا من التوكل . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 43 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 43 ) تعجبوا أن يكون من البشر رسلا ، فأخبر أنّ الرسل كلّهم كانوا من البشر ، وأنّ فيمن سبق من أقرّ بذلك . و « أَهْلَ الذِّكْرِ » هم العلماء ؛ والعلماء مختلفون : فالعلماء بالأحكام إليهم الرجوع في الاستفتاء من قبل العوام فمن أشكل عليه شئ من أحكام الأمر والنهى يرجع إلى الفقهاء في أحكام اللّه ، ومن اشتبه عليه شئ من علم السلوك في طريق اللّه يرجع إلى العارفين باللّه ، فالفقيه يوقّع عن اللّه ، والعارف ينطق - في آداب الطلب وأحكام الإرادة وشرائط صحتها - عن اللّه ، فهو كما قيل : ( أليس حقا نطقت بين الورى فاشتهرت ، كاشفها يعلم ما منّ عليها فجرت ، فهي عناء به عينيه قد طهرت ) « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة النحل ( 16 ) : آية 44 ] بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) أي إن البيان إليك ، فأنت الواسطة بيننا وبينهم ، وأنت الأمين على وحينا .
--> ( 1 ) ما بين القوسين نقلناه كما هو من النص ، وربما كان شاهدا شعريا مضطرب الكتابة .